مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
155
تفسير مقتنيات الدرر
ثمّ أقسم سبحانه فقال : * ( [ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ ] ) * أي نعاملكم معاملة المختبر بما نكلَّفكم من الأمور الشاقّة * ( [ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ ] ) * أي نتميّز المجاهدين في سبيل اللَّه من جملتكم والصابرين على الجهاد وقيل : المعنى حتّى يعلم أولياؤنا المجاهدين منكم . وأضاف العلم إلى نفسه تعظيما لهم كما قال : « إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّه َ وَرَسُولَه ُ » أي يؤذون أولياء اللَّه وقيل : المعنى حتّى نعلم جهادكم موجودا لأنّ الغرض أن تفعلوا الجهاد فيثيبكم على ذلك * ( [ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ ] ) * أي نختبر أسراركم بما يستقبلونه من أفعالكم . * ( [ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّه ِ ] ) * أي امتنعوا عن اتّباع دين اللَّه ومنعوا غيرهم عن اتّباعه تارة وبالإغواء أخرى قيل : المراد هم أهل الكتاب قريضة والنضير وقيل : المراد كفّار قريش يدلّ على القول الأوّل قوله تعالى : « مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى » قوله : « مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى » تبيّن لهم صدق محمّد وهو نعته صلَّى اللَّه عليه وآله في التوراة * ( [ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ ] ) * أي خالفوه وعاندوه وعادوه * ( [ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى ] ) * أي بعد ما عرفوا أنّه رسول اللَّه * ( [ لَنْ يَضُرُّوا اللَّه َ ) * بذلك * ( شَيْئاً ] ) * وإنّما ضرّوا أنفسهم * ( [ وَسَيُحْبِطُ ) * اللَّه * ( أَعْمالَهُمْ ] ) * فلا يرون لها ثوابا في الآخرة . وفي هذه الآية دلالة على أنّ هؤلاء الكفّار كانوا قد تبيّن لهم الهدى فارتدّوا عنه ولم يقبلوه عنادا وهم المنافقون وقيل : المراد رؤساء الضلالة جحدوا الهدى طلبا للجاه والرياسة لأنّ العناد يضاف إلى الخواصّ . فإن قيل : إنّ في أوّل السورة قال سبحانه : « فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ » بصيغة الماضي فكيف قال : يحبط أعمالهم في المستقبل ؟ فالجواب أنّ المراد من قوله : « الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّه ِ » في أوّل السورة المراد المشركون وهم من أوّل الأمر كانوا مبطلين وكانت أعمالهم على غير شريعة والمراد من الَّذين كفروا في هذه الآية أهل الكتاب وكانت لهم أعمال قبل الرسول فأحبطها بسبب تكذيبهم الرسول ولا ينفعهم إيمانهم ويجوز أن يكون المراد من الأعمال في هذه الآية